تأملات فى الثورات العربية والأجنبية

عدن اوبزيرفر | تأملات فى الثورات العربية والأجنبية

                            تأملات فى الثوراتالعربية والأجنبية

ديكتاتورية الثوار :

 إن الثورة تمرّد بشرى غوغائى  على الرؤساء والملوك ,تمرّد البروليتاريا علىالأرستقراطية ,تمرّد ثورى من أجل التحول إلى وضعٍ أفضل,فاذا نجح تمردهم أقاموادولتهم  ومرروا   دستوراً جديداً يقضى بالإستيلاء على أموالالنبلاء وأصحاب الأراضى وتوزيعها عليهم تحت مظلة العدل والمساواة كما حدث فىالثورة  البلشفية,علاوة على تبرّأ الثورةمن ديون الدولة الخارجية .

أنظرالى الفاشية فرغم أنه مذهب استعمارى توسعى وغطرسة وطنية ,فإنها بلا شك مذهب أفضللمواطنيه إذ أنه يحافظ على الملكية الفردية تحت نظر دولتهم علاوة على توجيههم .

والحلفى القول المأثور"من أين لك هذا " فهو الحل الجذرى  لمسألة النظام الإقطاعى الحديث ,هو العدل الذى يجب أن تتبناه كل الأنظمة , والثورةالتى يجب ان تطالب بها الطبقات الكادحة .

ذلكلأنها تحافظ على ملكيتهم الفردية من المصادر المشروعة والتحفظ على الأموال الغيرمشروعة,و هذا يؤدى بدوره إلى إحداث توازن اجتماعى سليم.

كلمةتضمن للشرائح الإجتماعية كلها التعايش فى سلم جنباً الى جنبٍ لأنها تُحدث تقاربإقتصادى بينهما إلىَ حدٍّ ما .

لكنالنفس الثورية التى تطالب بالمساواة نفس طامعة غير راضية ,وإنى أؤمن أن النفسالثورية ما تثور من أجل الإستبدادية الثلاثية الإقتصادية والسياسيةوالإجتماعية  فحسب,بل   أؤمن أيضاً أنها هى هى التى تثور أيضاً من أجلالسيادة والزعامة أيضاً.

وليسأدل على كلامى من الثورة الفرنسية (1799-1789 )التى ما استتب الأمر لديها بعدمعارك دموية وتصفية الثوار بعضهم بعضا على نصل مقصلة غالوتين إلا سارما تبقى منهمبعد ذلك الى التوسع الإستعمارى .

فها  نابليون أسس الإمبراطورية الفرنسية الأولىمعلناً نفسه أمبراطوراً عليها ليستمر في حروبه ويجعل أوروبا كيانات خاضعة له ,ولمتنج مصر من حملته التوسيعية سنة (1798-1801م).

ومنطقىأنا ان الثوار هم الثوارإما لدفع مضرة أو جلب منفعة فهم عندى "الثائروندائماً",فهذه هى تركيبتهم الجينية .

وبالنظروالتأمل الى  الثورات الشعبية العربية منهاوالأجنبية  نجد انها ما أطاحتْ بنظم الحكمإلا وتقاتلتْ بسبب اختلافات أيديولوجياتها التى تتبنى دائماً حيازة السيادة والحكموفرض المذهب على الآخر .

إنطلاق الفوضى مع الثورة :

انأسباب الثورة دائماً تكون مرتكزة فى رحم الفقراء والطبقة الكادحة المسماة إصطلاحاًبالبروليتاريا وقليل من الطبقة البرجوازية , ولكنها لا تولد وتنمو وتتضخم إلابوقوع حدث مؤثر من أفراد الطبقة المؤطرة الكادحة .

والمتدبرفى شؤون الثورات العربية والعالمية يلحظ ذلك ,فنجد مثلا فى ثورة الياسمين التىاندلعتْ  أحداثها في 17 ديسمبر 2010

تضامنًامع الشاب محمد البوعزيزي الذي قام بإضرام النار في جسده في نفس اليوم تعبيرًا عنغضبه على بطالته ومصادرة العربة التي يبيع عليها من قبل الشرطية فادية حمدي .

وإذاعدنا الى الوراء حيث الثورة الفرنسية  نجدأنّ اقتحام سجن  الباستيل في الرابعة عشرمن يوليو لسنة 1789,وقتْل مأموره وتحرير سجناءه كان يمثل نقطة إنطلاق قوية لإحداثتغيير راديكالى كامل من خلال ثورة عارمة لاحقة .

فىالنموذج الإيرانى  نجد أن  انتهاج الدولة آنذاك لسياسة التأوْرُب المتوسعجثم على  صدورالشعب مما أحدث صراخاً مفادهإندلاع الثورة الإيرانية سنة 1979 لتقويض  نظام الشاه  برمته.

إنالثوار لغتهم الصراخ والفوضوية ,هذا الصراخ المتولد من الضغط الفسيولوجىوإستبدادية حكامهم ,والصراخ يجرجرالينا مطالب عشوائية غير مدروسة,وهذا طبيعى لأنها تأتى فجأه وتنطلق كالبرق بينمايقف االنظام مشدوهاً ولا يجد سبيلاً لتكميم الافواه ا و الحد من نبرتهإ إلاالأساليب القمعية .

وللأسففإن مثل هذه الهبّات الفجائية صيرورتها الفوضوية لأنها تنطلق  من رحم مطالب طوباوية والتى يستحيل فيها النظامتلبية تلك المطالب,علاوة على مسارها الفاشل بسبب عدم وجود رؤوس لها .

وهاذا أقوال بعض المفكرين فى شأن الثورات.

نجدنيتشة:ظهر خلال فترة الثورة الفرنسية وما بعدها، ويري إن الثورة هي إنفجارات شبهبربرية خارجة عن السيطرة وإنفعالات جماهيرية مدمرة.

وأيضا كل من برودون وكروبوتكين يتبنيان مذهب فوضوية الثورات.

وإنىأنصح الثوار بضبط النفس ,وتقديم  بروتوكولٍيُحدد فيه مطالبهم الإصلاحية من النظام نفسه لا من نظام آخر بواسطة رجال يثقون فىأمانتهم وقوتهم ,ولا بأس بالحركة السلمية,بدلاً من الثورة  .

وأنصحهمكذلك ان لا تُحدّق أبصارهم فى ثورات البلاد الأخرى فلكل بلد ظروفه , فقد تكون تلكالرياح الواردة من الخارج ريحًا سموماً على بلدهم.

عوامل الهدم والبناء فى الثورة :

 أولاً :تأثير الجيش فى الحركات الثورية:-

تبدأالثورة بالصراخ المصحوب بمشاعر الغضب والتشدق بمطالب طوباوية عريضة ,وهذه مرحلةفاسدة تقوم على مقاييس فاسدة ,ووجب على النظام حينها التعامل معها بكل السبل التىتؤدى إلى الحوار السليم حتى تضعف الثورة وتقوى حجة النظام  .

وغالباًتستمر الثورة تلك فى مطالبها سواء قوبلت بالوسائل السلمية أو القمعية .

وبالنظرالى الثورة نجد عوامل تؤثر عليها ,فمثلاً وقوف الجيش ضد الثورة يُنذر بشر مستطيروعندها لا اجد مخرجاً الا بالكف عنها ,كذلك ايضاً الكف عن المسيرات الاحتجاجيةالسلمية ,واستبدال هذا كله برفع  مطالبهمعن طريق فئة منهم أو عن طريق إعلام معارض للنظام إلى الجيش نفسه.

أمّالو أقرالجيش الثورة فيجب على النظام نفسه تلبية جميع مطالب الثوار ما دامتمنطقية,حتى  ولو كان مطلبهم رحيل النظام ,حيث ان الجيش  من المفترض ان يكون مؤسسةمستقلة عن الحكم وليس له مصلحة فى تقليد حاكم أو عزله.

ولووقف الجيش على الحياد فلا بأس من امتداد المد الثورى ,ويجب ان يستجيب النظام عنطريق القيام بإصلاحات منطقية .

وثوراتالعالم الأجنبي والعربي خير برهان على ذلك .

فلننظرمثلاً الى النموذج المصرى فهو نموذج مزدوج حيث وقف الجيش مع ثوار 25 يناير 2011فنجحتْ الثورة,وعندما وقف ضد المسيرات الإحتجاجية والإعتصامات فى رابعة والنهضةسنة 2013-2014 باءتْ تلك بالفشل و نجم عنها آلاف الضحايا بعد فض اعتصامى رابعةوالنهضة,علاوة على سفك الدم بعد ذلك الناجم من المسيرات والإحتجاجات فى الشوارع.

وفىالنموذج السورى   : فى 25 أبريل 2011،  إنضمَّ الجيش لقوات الأمن  للمرة الأولى مع حصار درعا،  والمعضمية في ريف دمشق؛ألحقها في 3 مايوببانياس.

كذلكوقف الجيش بجانب بشار الأسد فى 3 يونيو ثم  حاصر  وضرب الثوار فى إدلب وحاصر جسر الشغور وتمركزفي سهل الغاب وجبل الزاوية ,وظل الجيش يساند النظام حتى أسرف النظام فى سفك الدماءبطريقة وحشية,فنجم عنه إنشقَاق بعض قيادات الجيش

 فزادتْ الثورة دموية واشتعل الصراع أكثر واكثرولاسيما بعد تدخل القوى  العربية والأجنبية بين مؤيد ومعارض مما زاد منعالميتها وكأننا فى حرب عالمية ثالثة على بقعة سوريا الشقيق.

تلكالثورة التى خلّفتْ خلال النزاع في سوريا قتلى تجاوزحتى الأن نصف مليون قتيلومليونى جريح بالإضافة إلى أكثر من  5مليون لاجىْ وأكثر من  6مليون نازح فيالداخل.   

أمّاالنموذج التونسي 17  ديسمبر2010  فقد وقف الجيش موقف المتفرج المترقب حتى شاهدبنفسه انتصار الثوار التى لم يفلح الرئيس بن على فى وأدها,فقد كان موقف الجيشمائعاَ الى حدٍ كبير,رغم  رفضه لأوامرالرئيس بن علي القاضية بمشاركة الجيش في مواجهة الإحتجاجات إلى جانب قوات الأمن،وكان رفض قائد جيش البر رشيد عمار لأوامر بن علي بمثابة نهاية لحكم الأخير للبلاد.

ومنالثورة الروسية 1917 :نجد أيضا وقوف الجيش بجانب الثورة البلشفية ,إنضمتْ القواتالمسلحة للعمال، الجنود الذين تم إرسالهم من قبل الحكومة لقمع أعمال الشغب كثير منهمإنضموا إلى المتظاهرين وأطلقوا النار على الشرطة، مع هذا التفكك  انهارتْ فاعليةالسلطة المدنية.

قدمتْالحكومة إستقالتها إلى القيصر الذي اقترح دكتاتورية عسكرية مؤقتة، ولكن قادةالمؤسسة العسكرية الروسية رفضوا هذه الدور.

وعندماوصل القيصر إلى العاصمة، اقترح قادة الجيش ووزرائه المتبقين  تنازل القيصر عن سلطاته وعرشه,

وفياليوم التالي ألقي القبض على القيصر.

ومنالثورة الفرنسية (1799-1789):كان أكثرالجنود من الطبقة البرجوازية والفقراء وكانمعظم قادتهم من طبقة النبلاء مما صعّبَ عليهم السيطرة على الجيش , ولم يكن للجيشدور فاعل فى الثورة إذْ أنّ الثورة قامتْ بدونهم ولم يجد الملك أى سبيل فى استخدامالجيش لمنع سقوط الملكية وقمع الثوار , بل ان الجنود كانوا يتمردون على قادتهم بلهاجموهم, مما تسبب فى رحيل أكثر الضباط وترك البلاد , ويتبين من ذلك أن الجيش كانجزءاً من الثورة بحكم غالبية طبقتى البروليتاريا والبرجوازية فيه.

ثانياً:تاثير إنقسامات الفئات الثورية وحركة الثورات المضادة :-

أنظرإلى

النموذجالفرنسي:من ضمن العوامل الفاعلة فى الثورة أيضاً إنقسام النخب الثورية بسبب اختلافالأيدلوجيات وتبنّى مسألة الحكم للأقوى والأكثر عدداً.

وفيمارس من عام 1793 إندلعتْ ثورة للفلاحين في فيندي غربي فرنسا وسرعان ما اتسمتْبصفة الثورة المضادة ومناصرة الملكية بزعامة الجيش الملكي الكاثوليكي مما حدّ منحركة الثورة الجمهورية.

 عهد الرعب (1794-1794 )بدأت حملة بقيادة روسبيرلإبادة جميع المعارضين لمسار الثورة. واتسمتْ هذه المرحلة بالتطرف الهائل والدمويةالفظيعة حيث أُعدم العديد من القيادات 40ألف فرنسي  أُعدموا على المقصلة غالبيتهم من الفلاحينوالعمال. ومن الذين أُعدموا أيضاً كان مناهضو روسبيرفي المؤتمر الوطني أمثالقيادات الجيرونديين.

النموذجالتونسي: فقد استتبَ الأمر فيها إلى حدٍ ما ولكن الدولة العميقة حتى الأن تعمل جاهدة لاستعادة النظام القديم بثورة مضادة.

هىعناصر غامضة من الداخل ومدفوعة من الخارج لاستنهاض الثورة المضادة  ، لعل من أهمها بعض بارونات الحكم السابق وحزبالتجمع الدستوري المنحل وجماعات سياسية يمينية ويسارية متطرفة.

ولعلالمفارقة أن يستغل قادة الثورة المضادة جهل الشعب وضعف الوعى الثقافى لديه,ولاتزال هناك أجهزة إعلام رسمية وخاصة مملوكة لاتباع الرئيس المخلوع "بنعلي"تقوم على تحبيط الشباب واستعادة النظام القديم.

 ثالثا وضع الدستور :-

منالطبيعى ان تكون المرحلة الأخيرة من الثورة ,وإنْ واكبها صعوبات أثناء إقراره بسبباختلاف أيديولوجية الثوار.

ومنالمعضلات الرئيسية ان تكون مؤسسات الدولة أساس النظام القديم ,ولا أجد حلاً جذرياًلهذه المعضلة إلا عن طريق مناصرى الثورة الذين يعملون فى تلك المؤسسات واتخاذهمدليلاً فى التخلص من الفاسدين  بالعزل دونالقتل .

والمعركةلن تنتهى إلى هذا الحد فما زال السوس ينخر فى عصب دولة الثوار عن طريق المسؤلينالمنافقين الذين ما زالوا يتقلدون المناصب الحساسة فى جسد الدولة  ومن خلفهم الحانقين الذين تم عزلهم من مؤسساتهملفسادهم , وكذلك الدولة العميقة التى تحاول العمل على تحريض الشعب للقيام بثورةمضادة .

واعلمواان الدنيا لا تستقر على حال ,فجيل الثوار لن ينتهى مطلقاً وما ثاراليوم سيُثارعليه غداً فى الأزمنة المتعاقبة.

وأخيراًاقول أن الثورات ما هى إلا أنظمة بشأتْ بعد رحيل انظمة بادتْ,ديكتاتورية الحكامذهبتْ لتحل محلها ديكتاتورية البروليتاريا,بروليتاريةأمس وحكام اليوم ,ثم تأتىبرولتياريةأخرى تثور عليهم.

فالثوراتهى إمبريا لية إستعمارية ,ولكنها استعمرتْ شعوبها من حكامها .

فحاذروامن الثورات لانها بحور من الدماء , وتحدّقُ فى وجه الفناء.

                  **************

 إبراهيم أمين مؤمن روائى وشاعر

تأملات فى الثورات العربية والأجنبية

اقرأ الخبر كاملاً من المصدر +

متعلقات