الرقصة الاخيرة

في صبيحة الحادي عشر من اكتوبر من عام 1977م رأيت أحد العمال اليمنيين الذي يعمل بجوارنا وهو منزوي على نفسه ويجهش بالبكاء فقلت له ما يبكيك قال اغتيل الشهيد إبراهيم الحمدي رحمة الله عليه وقد تأثرت حقيقة بما قاله هذا العامل البسيط عندما قال نشعر ان الحمدي يحمل نورا يضئ لنا الطريق ولديه مشروعا لبناء اليمن الجديد كنا مؤملين ان تُختَصر سنوات غربتنا الطويلة ولكن يبدو انها ستطول،

 

وبعد قراءات متعددة لي في تلك الفترة وما بعدها تبين لي ان كثير من الكتابات واصابع الاتهام تشير الى ان المتورطين في حادثة الغدر بالشهيد الحمدي وأخيه هما المقدم احمد حسين الغشمي والرائد علي عبدالله صالح الذي تولى رئاسة الجمهورية العربية اليمنية بعد أقل من عام واحد من حادثة اغتيال الحمدي،

 

سارت البلاد في عهده بمنعطفات كثيرة بدأً من حرب 1979 بين الشمال والجنوب والتي اثمرت عن توقيع اتفاقية الوحدة اليمنية في الكويت وانتهاءً بتحقيقها بعد احدى عشر عاما والتي تعرضت لهزات عديدة أهمها اشتعال فتيل الحرب بين طرفي الوحدة وانتهت بانتصار كبير لشرعية صالح وتحققت له أسباب التمكين فلم يأخذ بأسبابها ولم يعطها حقها وكانت أبواب المجد مشرعة امامه لكنه لم يحسن الولوج اليها ولا الصعود الى درجاتها،

 

اتفاقية الوحدة جلبت معها التعددية السياسية فأنشئت الأحزاب وتعددت منظمات المجتمع المدني وظن الناس انه سيكون صادقا في مسارات التعددية السياسية وسيجعل الشعب يعيش حقيقة نعمة التعددية لتتقدم الأحزاب ببرامجها السياسية والاقتصادية والاجتماعية ولكن كان الالتفاف على الديمقراطية واضحا فتم التلاعب بالدستور والقوانين وأفرغها من محتواها حتى وصل بهم الى تصفير العداد تمهيدا لمشروع التوريث الذي كان يسير به على قدم وساق وكاد ان يكون حقيقة على ارض الواقع لولا إرادة الله سبحانه وتعالى ثم إرادة شباب ثورة الحادي عشر من فبراير الذين فرضوا واقعا آخرا وتم ابعاد علي عبدالله صالح من كرسي الحكم الذي ظل ملتصقا به طوال ثلاثة وثلاثون عاما حاكما بأمره يفعل ما يريد بطريقة {ما اريكم الا ما أرى} تارة وأخرى بعبارته الشهيرة الرقص على رؤوس الثعابين ومرة بسياسة فرق تسد فيضرب هذا بذاك ويتحالف مع هذا ثم سرعان ما يغدر به وينتقل الى خصمه وهكذا دواليك، وتراه متسامحا في قضية ما وخصما عنيدا في أخرى،

أحاط نفسه بعدد كبير من المستشارين الذين لا يستشير اكثرهم ولكن هناك مجموعة هم من خلّص الاوفياء له وربما ان لهم الدور الأكبر  في رسم سياساته وفي اسداء النصح اليه بما لا ينفعه في غالب الأحيان،

تعرضت البلاد في عهده لأزمات اقتصادية خانقة وتجرّع المواطنون العديد من جرعاته السعرية التي احالت الملايين الى خط الفقر ودون ذلك الخط واختفت او كادت تختفي الطبقة الوسطى وتنعمت فئة قليلة بثروات البلاد وخاصة ذوي القربى وخاصته الذين اثروا ثراء فاحشا وغابت خيرات البلاد وثرواتها النفطية التي لا تكاد تفي باحتياجات البلاد واولوياتها فأغرقت البلاد بقروض البنك الدولي التي تذهب هدرا في معظمها فلم نرى ارتقاء في العملية التعليمية ولا حتى الخدمات الصحية التي عانت هي الأخرى حتى انه هو عندما اصيب في حادث النهدين لم يكن في البلاد مستشفى ذو أهمية تذكر يتلقى العلاج من خلالها فكانت محاسن الجارة الكبرى عليه التي سارعت بإرسال طائرة اخلاء طبي أتت به مسرعة الى الرياض   وخرج من مشفاها كأنه لم يصب بأي اذى،

 نعود للثورة الشبابية التي اقضّت مضجعه وطيّرت أحلام التوريث لنجله ورأى بنفسه انتصار الربيع في تونس ومصر ورأى المصير المحتوم لعقيد ليبيا والنهاية المأساوية وسوء الخاتمة التي أحاطت به لكنه لم يأخذ العبرة وربما انه نزل عند رأي مستشاريه غير الأمناء فارتكب الكثير من الحماقات من ابرزها مجزرة جمعة الكرامة ومثيلتها في تعز حيث ازهق قناصته أرواح الكثير من الأبرياء الذين ارتقوا شهداء عند ربهم لأنهم لم يخرجوا بطرا ولا أشرا بل خرجوا يطالبوا بحقوقهم في وطن آمن مستقر ينعم فيه مواطنيه بالعدالة والعيش الكريم وحقوق المواطنة المتساوية ،

اتته بعدها المبادرة الخليجية انقاذا له بما رافقها من الحصانة الأبدية فأبت نفسه ان يدخل التاريخ من أوسع ابوابه ويعيش مكرّما منعّما حيثما يريد فعاد الى الواجهة بتحالف مع أعداء الأمس فكان الانقلاب على الثورة والجمهورية وعلى كل ما انجزه ان حسب له كمنجز وخاصة في المجال العسكري وظن انه سيستخدمهم كرتا يلقيه متى شاء ولكنهم كانوا مدركين له رغم التحالف الضرورة الذي اسموه في مواجهة العدوان وفي الأخير أراد ان يراقص الثعابين القادمة من الكهوف فرقص رقصته الأخيرة وكانت اللدغة السامة التي أودت بحياته،

مات صالح وأفضى الى ربه بما قدّم وأخّر وكميّت مسلم نسأل الله له الرحمة .

 

الآن يجب أن نفكر فيما بعد صالح ان كان صالح قد نجح في أساليب التفرقة في حياته فنرجو ان يكون موته تكفيرا لما سبق بان يتوحد اليمنيين على قلب رجل واحد فصالح رحل بخيره وشره والان العدو واحد وواضح.

 

يكفي صناعة احقاد وعداوات بين اليمنيين فما ضيع البلد الا الضربات الخاطئة والهدف الخطأ

كل ابتهالاتنا الى الله عز وجل ان يحفظ البلاد والعباد ويصلح لنا ما افسده صالح بإيعاز من بطانة السوء اللذين أحاط نفسه بهم  وماجناه على البلاد طوال سنين حكمه الذي ومن باب الأمانة لم يكن شراً كله ولا مكتمل السوء ولكن كان بالإمكان افضل مما كان .

اقرأ الخبر كاملاً من المصدر +

متعلقات